عند الحديث عن النظم الاقتصادية، لابد أن نتنبه إلى أن أي نظام اقتصادي مبني على شقين، يتمثل الشق الأول بالنظريات والقناعات العقدية التي يحكم بها المجتمع الذي يؤمن بهذا النظام، والشق الآخر هو مجموعة المؤسسات القادرة على جعل هذه القناعات واقعاً معاشاً.

تمثل المؤسسات المصرفية “البنوك” جزءاً مهماً من المؤسسات التي تطبق النظريات والقناعات التي يؤمن بها كل نظام اقتصادي، ولذلك لابد من وجود فروق جوهرية ما بين البنوك في النظام الاقتصادي الإسلامي ” البنوك الإسلامية” و النظام الاقتصادي الرأسماليالبنوك التقليدية أو البنوك الربوية، تبعًا لاختلاف المبادئ والقناعات التي يؤمن بها كل نظام. فيما يلي عزيزي القارئ سنوضح الفروق الجوهرية ما بين البنوك في النظام الاقتصادي الاسلامي والبنوك في الاقتصادي الرأسمالي.

قبل البدء لابد من التنبيه إلى أننا سوف نشير إلى البنوك في النظام الاقتصادي الإسلامي بالبنوك الإسلامية، والبنوك في النظام الاقتصادي الرأسمالي بالبنوك التقليدية.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر البنك المركزي على النشاط الاقتصادي؟

ما هو الفرق بين البنوك الاسلامية والتقليدية؟

أولاً: المبادئ والقناعات في البنوك الإسلامية والتقليدية

الفرق بين البنوك الاسلامية والتقليدية الأهم يتمثل في اختلاف المبادئ والقناعات، حيث تنطلق البنوك الإسلامية من قناعات وأحكام النظام الإسلامي، فكل ماهو محرم في النظام التشريعي الإسلامي سيحرم التعامل به في البنوك الإسلامية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرم ثمنه“. فمثلاً يحرم الإسلام كل ما يضر بالنفس البشرية بالتالي فإنه لن يمنح تمويلاً لمصنع دخان وكذلك يحرم الإسلام لحم الخنزير لذلك فلن تمنح البنوك الإسلامية تمويلاً لمزرعة خنازير.

أما في البنوك التقليدية فليس هناك ما يحجر منح التمويل لأي سلعة كانت باستثناء السلع الممنوعة قانونياً مثل المخدرات، وهذا تلتزم به البنوك الإسلامية كما تلتزم به البنوك التقليدية.

ثانيًا: مفهوم المال

ينظر النظام الاقتصادي الإسلامي للمال على أنه وسيط للتبادل ومخزن للقيمة فقط لا غير، حيث يمكن للأفراد استخدامه للوصول إلى السلع والخدمات والحصول على الأصول التي تسمح بها الشريعة الإسلامية، كما يُنظر إلى المال على أنه مخزن للقيمة بالتالي يستخدم في تقييم الأصول.

أما في النظام الاقتصادي الرأسمالي فإن المال ينظر إليه على أنه سلعة بالإضافة إلى أنه وسيط للتبادل ومخزن للقيمة، وبما أنها سلعة فإن هذا سوف يسمح للبنك التقليدي بأن يؤجر النقود بأعلى من قيمتها عندما يمنح القروض ويستفيد من الفرق ما بين القيمة الاسمية و القيمة المستردة من المقترض، وكذلك بإمكانه أن يستأجر النقود ويدفع زيادة مقابل ذلك عندما يقوم المتعاملون بإيداع النقود لديه.

ويعد هذا الفرق أهم أوجه الاختلاف بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية وأكثرها وضوحًا للمتعاملين، فالإسلام حرّم الربا وأعتبر التعامل به من أعظم المخالفات الشرعية.

اقرأ أيضًا: الآثار الاقتصادية للربا: كيف ينظر الاقتصاديون للربا

ثالثًا: علاقة المتعاملين مع البنك

البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية كلاهما يستقبلان الودائع المصرفية ويمنحان التمويلات، إلا أن تنظيم العلاقة مع العملاء يعتبر من الفروق الجوهرية بين البنوك الإسلامية والبنوك التجارية الربوية.

عند إيداع الأموال لدى البنك التقليدي ستنشأ علاقة مديونية ما بين البنك التقليدي والمتعامل، وفي هذه الحال سيكون البنك مدين للمتعامل بأصل الوديعة بالإضافة إلى الفائدة والتي تعد عائد ثابت على رأس المال، وسيكون البنك ضامناً للوديعة بكل الأحوال.

أما في البنوك الإسلامية فإن البنك لا يتلقى الأموال على أساس المديونية، حيث يستقبل البنك الإسلامي الأموال من المودعين  على أساس عقد المضاربة: وهو عقد يكون المال فيه مقدم من جانب والعمل مقدم من جانب آخر، حيث يكون المتعاملون “رب مال في عقد مضاربة”، في حين يكون البنك عامل مضاربة أي أنه يقوم باستثمار الأموال، ولا تكون أموال المودعين مضمونة من قبل البنك إلا في حال التقصير أو مخالفة شروط العقد.
ولا توجد علاقة مديونية في البنك الإسلامي إلا في عقد القرض الحسن، حيث يقدم البنك الإسلامي المال كقرض دون مقابل أو زيادة على المدين.

وبشكل عام الفرق بين البنوك الاسلامية والتقليدية، أن البنك الإسلامي لا يتلقى أي فوائد ربوية على أصل المال، وتعتبر هذه الفائدة محرمة شرعاً في النظام التشريعي الإسلامي، ويطلق عليه لفظ الربا إشارة للزيادة المشروطة على رأس المال دون مقابل.

اقرأ أيضا: أنواع الودائع المصرفية، أين ادخر الأموال؟

رابعًا: صيغ استثمار الأموال

يظهر الفرق بين البنوك الاسلامية والتقليدية في صيغ الاستثمار، حيث تعتمد البنوك التقليدية على صيغة القرض بفائدة كصيغة رئيسية في توظيف أموالها،حيث تستقبل الأموال كقرض مضمون بفائدة وتقرض الأموال للمتعاملين كقرض بفائدة.

أما البنوك الإسلامية فإنها تستقبل الأموال بصيغة المضاربة كما أشرنا سابقاً حيث يكون المتعاملون “رب مال المضاربة” أي صاحب رأس المال، ويكون البنك “عامل المضاربة” أي وكيل استثمار، كما أن لدى البنوك الإسلامية مجموعة من الصيغ الشرعية القائمة على أساس البيع والشراء الحقيقي، وهذه الصيغ من الممكن استخدامها في منح التمويلات، مثل المضاربة والمرابحة وإجارة منتهية بالتمليك، حيث يحرم في النظام الاقتصادي الإسلامي مبدالة النقد بالنقد مع وجود زيادة مشروطة على رأس المال.

اقرأ أيضاً: كيف تحسب الفوائد البنكية؟

خامسًا: تحمل المخاطرة

يعد توزيع المخاطر من أهم ما يميز البنوك الإسلامية عن غيرها، ففي البنوك الربوية يتحمل الطرف الذي اقترض المال كل المخاطر، فلو أن شخص أخذ قرض من البنك التقليدي بهدف استثماره، فإنه سوف يتحمل كل مخاطر الاستثمار ويلتزم بِرد مبلغ القرض للبنك مع الفوائد المترتبة عليه حتى لو خسر في المشروع.

في حين أن البنوك الإسلامية تعمل على توسيع دائرة المخاطر في الاستثمار، سواء كان المصرف مانحاً للتمويل أو مستقبلا له، فالبنك الإسلامي عند منحه للتمويل فإنه يتحمل جزء من المخاطر بحسب العقد الذي منح التمويل بناءً عليه، ويشارك المستثمر في نتائج الاستثمار طالما لم يكن من طرفه تقصير أو مخالفة للشروط.
وذات الشيء في حال كان البنك الإسلامي هو المستثمر فإن المودع سيتحمل جزء من مخاطر الاستثمار.

وبناء عليه فإن الفرق بين البنوك الاسلامية والربوية أن البنك التقليدي يضمن رأس المال في حال تم إيداع الأموال لديه، في حين البنك الإسلامي لا يضمن رأس المال إلا في حال التقصير أو مخالفة الشروط.

اقرأ أيضاً: 8 أمور لابد معرفتها عن الاقتصاد الإسلامي

سادسًا: العائد وتوزيع الأرباح

نلاحظ الفرق بين البنوك الاسلامية والتجارية في كيفية توزيع العوائد والأرباح أن البنوك التقليدية تحدد الأرباح كنسبة محددة من رأس المال، فلو أن شخص أودع مبلغ ألف دينار لدى البنك، وكانت نسبة الفائدة لديه 5%، فإنه من المؤكد سيحصل على الألف دينار بالإضافة إلى عائد ثابت مقداره (50 دينار).

أما في البنك الإسلامي فإن العائد يتحدد كنسبة شائعة من الربح المتحقق من النشاط الاستثماري، فلو أن نفس الشخص في مثالنا السابق قرر أن يودع الألف دينار في البنك الإسلامي، وأخبره الموظف في البنك أن عائد الربح المتوقع سوف يكون (5%)، فإن هذا يعني أنه سيستحق (5%) من الربح الذي سيتحقق عن الألف دينار في نهاية السنة المالية، وبما أنه من غير الممكن معرفة الربح الذي سيتحقق على وجه اليقين فإننا سنطلق على هذا العائد “عائد مظنون” بمعنى أنه قد يتحقق وقد لا يتحقق.
وبناءً على ما سبق فإن الفرق بين العائد أن عائد البنك التقليدي محدد ومعلوم منذ اللحظة الأولى من إيداع المال لدى البنك، أما في البنك الإسلامي فإنه عائد مظنون يحدد كنسبة من الربح المتحقق نهاية العام.

سابعًا: الجهات الرقابية

في العمل المصرفي لابد من وجود جهات رقابية تعمل على المراجعة والتدقيق لضمان صحة سير المؤسسة المصرفية، تشترك البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية في بعض الجهات الرقابية مثل رقابة البنك المركزي، والجمعية العمومية ومراقب الحسابات، والمراقب القانوني، في حين يختص البنك الإسلامي بوجود الرقابة الشرعية لضبط مدى إلتزامه بالضوابط الشرعية وسلامتة العقود من المخالفات الشرعية.

ثامنًا: إعسار المدين

في البنك التقليدي في حال إعسار المدين فإنه لا يعطى مهلة سداد ويتحمل فوائد ربوية إضافية نتيجة هذا التأخير، في لا ينكم للبنك الإسلامي فرض فوائد تأخيرية على أصل الدين في حال تأخر العميل في الوفاء بها.

اقرأ أيضًا: تعرّف على الرأسمالية في 3 نقاط فقط

الفرق بين المصارف الاسلامية والتقليدية

تعرف الآن على أوجه الفرق بين المصارف الاسلامية والتقليدية بالتفاصيل في صورة مُجمعه لتسهيل الفهم ومعرفة الفرق بين المصارف الاسلامية والتقليدية بكل يسر:

الفرق بين المصارف الاسلامية والتقليدية

أوجه التشابه بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية

الفرق بين البنوك الاسلامية والتقليدية

الفرق بين البنوك الاسلامية والتقليدية

هناك العديد من أوجه التشابه والاختلاف بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية، وقد أوردنا أبرز أوجه الفرق بين الفرق بين البنك الاسلامي والتقليدي، حيث ينطلق كل منهما من قناعات ومبادئ تختلف اختلافًا كليًا عن بعضهما، في حين يتشابهان في أن كلاهما في عدد من الجوانب أهمها:

  1. يعتبر كل من البنك التقليدي والإسلامي وسيط مالي ( ينقل المال من وحدات الفائض إلى وحدات العجز) ويهدف لتحقيق الربح من خلال ذلك.
  2. كل من البنك الإسلامي والتقليدي يعتبر مكان لتخزين الأموال واستثمارها، فالوظيفة الأساسية لأي بنك استقبال الودائع ومنح التمويل.
  3. يتشابه البنك الإسلامي والتقليدي في طبيعة الحساب الجاري، ففي كلا البنكين يعتبر هذا الحساب قرض مضمون على البنك ولا يتحمل المودع أي مخاطر.
  4. يشترك البنك التقليدي والإسلامي في تقديم الخدمات المصرفية للعملاء، مثل الخزائن الحديدة لتخزين المجوهرات والوثائق المهمة، وكذلك مثل الإعتمادات المسندية والتحويلات النقدية وإصدار الشيكات.
  5. يقدم كلا البنكين الخدمات الإلكترونية للعملاء، بل تعتبر سوق تنافسية لكسب عملاء جدد.

بعد استغراض أوجه التشابه والاختلاف بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية يتضح لنا أن الفرق بين المصارف الاسلامية والتقليدية ليس اختلاف مسميات أو اختلاف شكلي فقط، بل هو فرق جوهري يظهر واضحًا منذ لحظة التأسيس ويسري في جميع جزئياته ومعاملاته الحالية والمستقبلية.

ما الفرق بين الكساد والركود ؟
كيف يحدث الكساد ؟