انتشر مصطلح تعويم العملة في الفترة الأخيرة في نطاق واسع بين الناس المهتم منهم بالأوضاع الاقتصادية وغير المهتم؛ يرجع ذلك لتداول هذا المصطلح بصورة كبيرة في التقارير الاقتصادية، وفي نشرات الأخبار، وحتى في الأحاديث اليومية بين الناس.

ماذا يعني مصطلح تعويم العملة ؟

تعويم العملة: هو أحد أساليب إدارة السياسة النقدية، حيث يتم ترك تحديد سعر صرف العملة لقوى العرض والطلب في السوق.

ولتوضيح المصطلح بشكل أكبر لابد من بيان بعض المفاهيم:

  1. سعر الصرف: يعني سعر العملة بالمقارنة بعملة اخرى، أي عدد الوحدات التي يمكنني الحصول عليها من عملة نقدية أجنبية مقابل وحدة واحدة من العملة المحلية .
    مثال: 1 دولار أمريكي يشتري 16 جنيهًا مصريًا.
    هذا يعني أن سعر صرف (1) دولار هو (16) جنيه مصري.
  2. قوانين العرض والطلب: هي القوانين التي تتحكم بآلية عمل السوق، ويمكن أن نقول عنها هي القوانين الأصلية للسوق.
    مثال: جهاز لابتوب يساوي 300 دولار، كيف تحدد هذا السعر؟،
    قبل الإجابة لابد أن نحدد جانبي العرض والطلب في السوق، أجهزة اللابتوب الموجودة في السوق ومتاحة للبيع عند سعر 300 دولار تمثل جانب العرض.
    في الجانب الأخر الأفراد الذين يرغبون في شراء لابتوب عند سعر 300 دولار تمثل جانب الطلب.
    وهنا تم بيع جهاز اللاب توب عند هذا السعر، لكن إذا زاد العرض من نفس نوع أجهزة اللابتوب ,وجانب الطلب “الراغبون في الشراء”  لم يزيد؛ فإن هذا سيؤدي إلى انخفاض سعر الابتوب.
    وفي المقابل إذا زاد الطلب على نفس السلعة ولم يكن هناك زيادة من المعروض فإن هذا يشير إلى أن السعر سوف يزيد.

إذا أردنا أن نطبق هذا الكلام على تعويم العملة، فإننا نقول أن عملة ما ولتكون الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري مثلاً، إذا تم عرضها بصورة كبيرة ولم يكن هناك طلب كبير عليها فإن هذا يعني أن سعر الدولار مقابل الجنيه سوف ينخفض.
ولكن إذا كان المعروض من الدولار قليل، في مقابل أن الطلب على الدولار مرتفع فإن هذا يعني أن سعر الدولار سوف يزيد.

اقرأ أيضا: كيف تحدد أسعار صرف العملات ؟

لماذا تلجئ الدول إلى تعويم العملة؟

تلجئ الحكومات إلى تعويم العملة عند عجزها عن مواجهة انتشار العملة الأجنبية في البلاد بصورة كبيرة؛ لأن الاحتياطي النقدي الأجنبي لديها لا يكفي لمجارات العملة الأجنبية، فتلجئ الحكومات إلى تعويم العملة .

ما هي أنواع تعويم العملة؟

ينقسم تعويم العملة إلى نوعين:

النوع الأول: تعويم العملة الحر:

هذا النوع من التعويم يطلق عليه أيضًا “التعويم الكامل” تترك فيه الحكومة العملة المحلية تتفاعل مع العملة الأجنبية بطريقة حرة ودون تدخل من الحكومة مطلقًا، فيتم تحديد سعر العملة المحلية بناء على تفاعل قوى العرض والطلب في السوق بين العملتين الأجنبية والمحلية.

وهذا النوع من التعويم يكاد لا يكون موجود في عالم الاقتصاد! لماذا؟ لأن هذا النوع من التعويم يجعل العملة الوطنية في خطر فقد قيمتها بصورة كبيرة فيحدث انهيار للاقتصاد كاملاً، كما حدث مع العملة اللبنانية “الليرة” أو العمة الفينزويلية “بوليفار”.

النوع الثاني: تعويم العملة المدار:

التعويم المدار هو النوع الثاني من التعويم ويطلق عليه أيضًا “التعويم الجزئي” ويعني أن الحكومة تتدخل وتُدير عملية تعويم العملة، فلا تترك العملة الوطنية بمفردها تواجه العملة الأجنبية، ولكن تدير الحكومة السوق بصورة غير مباشرة.

كيف يحدث هذا؟

الأصل أن الدول تترك العملات تتفاعل فيما بينها حسب قوانين العرض والطلب التي سبق بيانها، إلا أن أغلب الدول لا تفعل هذا، بل تتحكم في أسعار العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية وخاصة الدولار الأمريكي.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر البنك المركزي على النشاط الاقتصادي؟

إدارة أسعار الصرف الوطنية

تقوم الدول بالتحكم في أسعار عملتها الوطنية عن بطريقتين:

الأولى: عندما تريد تخفيض قمية العملة الوطنية

أن تقوم الدول بشراء العملة الأجنبية المنتشرة في السوق “تعطيش السوق” مما يجعل عرض العملة الأجنبية في السوق قليل؛ وهذا يؤدي إلى أن سعر العملة الأجنبية يرتفع في مقابل العملة الوطنية.

مثال: لو افترضنا أن سعر (1) دولار = (14) جنيه المصري، تقوم الحكومة بشراء الدولار من الأسواق عن طريق البنوك التجارية الخاصة بالحكومة، يؤدي هذا إلى انخفاض المعروض من العملة الأجنبية، وطبقًا لقوانين العرض والطلب فإن هذا سوف يؤدي إلى أرتفاع سعر العملة الأجنبية، فيصبح (1) دولار أمريكي = 17 جنيه مصري.

الثانية: عندما تريد رفع قيمة العملة الوطنية

تعرض الحكومةُ العملةَ الأجنبية في السوق بكمية كبيرة، وطبقًا لقوانين العرض والطلب فإن كثرة المعروض مع ثبات العوامل الأخرى يؤدي إلى انخفاض السعر.

مثال: سعر (1) دولار = (14) جنيه مصري، عندما تقوم الحكومة بعرض الدولار بكمية كبيرة في السوق عن طريق البنوك التجارية؛ فإن هذا سوف يؤدي إلى انخفاض سعر الدولار مقابل الجنيه فيصبح (1) دولار = (12) جنيه مصري.

متى ظهرت فكرت تعويم العملة ؟

ظهرت فكرة تعويم العملة في عام 1971 بعد مؤتمر بريتون وودز عندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن لا تقايض الدولار بذهب، وانتشرت الفكرة في العالم باسم أسعار الصرف العائمة.

لماذا نخشى تعويم العملة ؟

عند ذكر مصطلح تعويم العملة فإن ما يتبادر إلى الذهن مباشرة الضغوط الاقتصادية التي سوف يعيشها الناس، لماذا؟

قبل تعويم العملة تكون أسعار العملات الأجنبية في حدود المعقول بسبب تدخل الحكومات في ضبطها، وهذا يؤدي إلى أن أسعار بيع السلع والخدمات العادية التي يستخدمها أغلب الناس تكون في متناول الجميع؛ ولكن عندما تقوم الدولة بتحرير سعر الصرف وترك سعر العمل الأجنبية يتحدد حسب قوى السوق (التعويم الحر) أو يتحدد بتدخل بسيط من الحكومة (التعويم المدار) فإن سعر العملة الوطنية سوف ينخفض وسعر العملة الأجنبية سوف يرتفع؛ وهذا يترتب عليه ارتفاع في أغلب أسعار السلع والخدمات التي تقدم للجمهور العادي.

فالتعويم مصطلح يرتبط في أذهان الناس بإرتفاع الأسعار للسلع العادية.

اقرأ أيضاً: كيف تحدد قيمة الأشياء ؟

لماذا التعويم يؤدي إلى إرتفاع الأسعار؟

التعويم يؤدي في الغالب إلى إرتفاع الأسعار بالرغم من أن الناس في الداخل يتعاملون بالعملة المحلية؛ لأن أغلب الأسعار مقومة بالعملة الأجنبية الرئيسية في العالم وهي الدولار؛ حيث أن أغلب السلع والخدمات الموجودة في الداخل يدخل فيها مكونات أجنبية يتم استيرادها من الخارج بالعملة الأجنبية، بالتالي فالاستيراد يكون مقومًا بالدولار لذلك يحدث تضخم في الغالب بسبب التعويم.

بالتالي فإن تأثر العملات المحلية بتعويم العملة يرجع لسببين رئيسيين :

  1.   أن الطلب على العملة الأجنبية يزيد بسبب أن الناس تثق فيها أكثر من ثقتها في العملة الوطنية.
  2. لأن العملة الوطنية يتم استعمالها كثيرًا في الاستيراد أو حتى في شراء بعض السلع والخدمات في داخل البلد. وهذا يرجع بصورة كبيرة إلى أن أغلب الدول تعتمد في اقتصادها على الاستيراد والذي يعتمد على العملة الأجنبية بصورة كبيرة.

فما انخفاض سعر العملة الوطنية مقابل العملة الأجنبية عند التعويم إلا دلالة على مشكلة في الهيكل الاقتصادي الذي يعتمد على الاستراد أكثر من التصدير.

اقرأ أيضاً: السياسة المالية | كيف تسعى الدول لتحقيق الاستقرار الاقتصادي ؟

هل توجد فوائد لتعويم العملة يمكن أن يجنيها المواطن العادي؟

جميع القرارات الاقتصادية تحتوى على مميزات وعيوب، فلا يوجد قرار كله مميزات ولا يوجد قرار كله عيوب؛ لذا يمكننا أن نجد بعض الفوائد من قرارات التعويم مثلاً

الوصول للقيمة الحقيقة للعملة الوطنية

تعويم العملة يجعلها في الغالب تصل إلى قيمتها الحقيقة في الأسواق حتى في طريقة التعويم المدار (الجزئي)؛ لأن الحكومات تقف عند الحد الحقيقي الذي تستحقه العملة في السوق.

خفض الوارادات

غالبا ما يؤدي تعويم العملة إلى تشجيع المنتجات المحلية؛ لأن التعويم يؤدي إلى انخفاض العملة الوطنية ورفع قيمة العملة الأجنبية، وهذا يؤدي إلى التقليل من الاستيراد الذي يعتمد على العملة الأجنبية، ويجعل الناس تُقبل على المنتجات الوطنية بسبب انخفاض قيمة العملة الوطنية.

زيادة الصادرات

تعويم العملة إذا صاحبه إصلاحات اقتصادية هيكلية خاصة فإن هذا يؤدي إلى زيادة الصادرات من المنتجات الوطنية بسبب انخفاض تكلفة المنتجات المحلية بسبب انخفاض سعر العملة الوطنية، وهذا ما تقوم به  الصين حاليًا فهي تحارب ليكون “اليوان” الصيني منخفض القيمة من أجل زيادة الصادرات.

اقرأ أيضاً: ما يجب معرفته عن ميزان المدفوعات

في الختام:

تعويم العملة قرار اقتصادي كباقي القرارات الاقتصادية يرجع ضرره أو نفعه لما يتبعه من إصلاحات اقتصادية تقوم بها الحكومة، لكن في حال تطبيقه بمفرده فإن تداعياته على المواطن العادي شاقة جدًا.

 

* مقالات ضيوف المدونة: الكاتب نبيل صبحي أبو زيد.

* قام بتدقيق المقال: أماني مطاحن.